عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

16

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

والقسم الثالث نفوس أقبلت على حبّ المحسوسات إقبالا متوسّطا ولم تستغرق فيها قوّتها بالكلية بل بقي في قوّتها من اليقظة والفطنة ما تدرك به لذّة المعاني العقلية وتطلب الفضائل وتنفر عن الرذائل ، فكان لها نظران أحدهما إلى الجانب الأعلى بقدر ما فيها من اليقظة والثاني إلى الجنبة السفلى بقدر ميلها إلى حبّ الشهوات الطبيعية ، وتسمّى اللوّامة . فهذه وإن كانت محجوبة عن كثير من الحقائق الربانية يمكن أن تتزكّى بالرياضة وتلحق برتبة السعداء ، وهذا الصنف هم الذين وضعت لهم مراتب السلوك وإليهم قصدنا بهذا التنبيه إذ الصنف الأول لا يحتاجون إلى سلوك فإن الحق تعالى أرادهم فاختصّهم بعنايته ، والصنف الثاني طبعوا على الشقاء في أمّ الكتاب ولا تبديل لخلق اللّه . والصنف الثالث هم أصحاب الرياضة لأن الأصل طهارة النفس وخلوصها وما حصل فيها من الظلمة عارض والعارض يمكن زواله ما لم يستحكم لا سيّما إذا بقي في النفس قبول للخير ولم يستحوذ الشرّ عليها فهي كالمرآة الصديّة يمكن جلاؤها ما لم يرسخ الصدأ في جوهرها حتى يفسده . ونحن الآن نصف كيفية السلوك لهذا الصنف من الناس بالرياضة حتى تصفو نفوسهم وترقّ ، ثم كيفية توصيلها بالتشويق إلى مطالعة جمال الحضرة الإلهية ومشاهدة الأنوار القدسية بقدر ما يمكننا من العبارة إن شاء اللّه تعالى .